• ×

04:23 صباحًا , الجمعة 16 ربيع الأول 1443 / 22 أكتوبر 2021

قائمة

القيادة التربوية ودورها في تعزيز المواطنة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لا يختلف اثنان على مكانة الوطن في نفوس ساكنيه وعشق محبيه . فحب الوطن فطرة في النفوس البشرية ؛ بل يتعدى ذلك من الإنسان إلى سائر المخلوقات الحية ؛ فالطيور وإن طارت فإنها تحن إلى عشها وتشتاق إلى أوكارها ، والخيل وإن سابقت فإنها ترجع إلى اسطبلها ، وكل يحن إلى مأواه .
واليوم الوطني في أي دولة من دول العالم : هو الموعد المحدد للاحتفال بمولدها كأمة والاحتفال بها كدولة ذات سيادة. ويأتي الاحتفال به لكي يدرك الجميع أن احتفال الدول بأيام استقلالها وتأسيسها ليس مناسبة عبثية بل هو لحظة رمزية ثمينة لإبراز الهوية الوطنية والاعتزاز بها .
وتحتفل المملكة العربية السعودية في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام بيومها الوطني تخليداً لذكرى توحيد المملكة وتأسيسها على يدي الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله .
إن مايتم تفعيله من مناشط جهود مشكورةوهي مؤشر إيجابي على التفاعل مع هذه المناسبة الغالية على قلوبنا ،لكن علينا أن ندرك أن قيم الانتماء والمواطنة لا يمكن غرسها في نفوس الأجيال من خلال يوم واحد في العام أو احتفالية قصيرة ؛ لذا فإنه يقع على المؤسسات التربوية مسؤولية كبرى تجاه تعزيز هذه القيمة . وهنا يأتي دور القادة التربويين في توظيف هذه المناسبة لتحقيق المواطنة الحقة وفق منهجية واستراتيجية طويلة المدى لا سيما ونحن نعيش في عالم مضطرب يموج بمتغيرات شائكة تشكل تهديداً على كثير من البلاد .
وليس بخاف على أحد ما تواجهه التربية اليوم من تحديات ومتغيرات ،من أخطرها العولمة، والتي تحمل في مضامينها تهديداً كبيراً لكل المجتمعات. فمع العولمة لم يعد العالم كما عهدناه فيما مضى، فالحدود الثقافية في طريقها إلى التلاشي، مما يسمح بانتقال كثير من الأفكار والمعتقدات التي أوشكت أن تقضي على الخصوصية في كثير من المجتمعات، وبالتالي لن يبقى للمكان والتاريخ أي معنى في ظل السعي إلى عولمة التربية ، وهذا لعمري أخطر ماتواجهه الدول المتقدمة والنامية من خلال التأثير في مقومات المواطنة والولاء عند أفرادها و من ثم فقدان الهوية الثقافية وتلاشيها .

أجريت دراسات حول المواطنة ، ولفت انتباهي ماتوصل إليه أحد الباحثين في إحدى الدول العربية من ضعف وندرة في الدراسات العربية في مجال المواطنة وأن الدراسات العربية تقتصر على حيز التركيز على الإطار الفكري والمفاهيم؛ بينما تركز الدراسات الأجنبية على الآليات الفعلية الهادفة إلى نشر قيم وثقافة ومبادئ وأعراف المواطن الحقيقي وزيادة الوعي بشروطها والحقوق والواجبات التي يحددها الشارع والقانون، ودور التعليم في دعمها وتعزيزها من خلال برامج تخضع للفحص والتقويم بشكل مرحلي .

وحيث أن التقدم الحقيقي للوطن في ظل تحديات القرن الجديد ومستجداته تصنعه عقول وسواعد المواطنين، فإن إكسابهم قيم المواطنة يعد الركيزة الأساسية للمشاركة الإيجابية والفعالة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لكل من الفرد والمجتمع. وفي هذا السياق تؤكد الدراسات على ضرورة الاهتمام بالتربية من أجل المواطنة لتماسك الأمة، وعدم فقدان الذاتية الثقافية ــ وبخاصة ــ في أوقات التحول الاجتماعي والأزمات القومية، والتأكيد على منظومة القيم التي تشكل خصوصية الثقافة من قيم وعادات وامتداد تاريخي . فالتربية من أجل المواطنة تعني ــ في الأساس وقبل كل شيءــ أن نغرس وننمي ونعمق في عقول ووجدان أبنائنا تلك الفضائل والعادات والمهارات والاتجاهات الضرورية لبناء الوطن فالمسألة ــ إذن ــ أكبر وأعمق وأوسع من مجرد تعليم الطلاب مادة دراسية هنا أو جزءاً من مادة دراسية هناك (فرج، 2004، ص34)

وإن من أخطر ما تصاب به المجتمعات هو انخفاض "معنى الوطنية" لدى أبنائها؛ الأمر الذي يعني فقدان حيوية الأمة ووهن إرادتها وانخفاض مستوى الطموح الحضاري؛ ومن ثم فإن ضعف الشعور الوطني والخلل في بنية قيم المواطنة يعد من أخطر القضايا التي تهدد الشباب ــ أعز ما تملكه الأمة من ثروات ــ لما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الانتماء وإدارة العمل والإنجاز، واضطراب المعايير والرؤية حول مكانة الشباب في صناعة المستقبل والإسهام التنموي .

ولعل القارئ يتفق معي على وجود مؤشرات تؤكد أن مؤسسات التعليم تعاني من أوجه خلل ترجع في جانب كبير منها إلى ضعف الاهتمام بتفعيل قيم المواطنة وانخفاض ممارستها في الواقع؛ ومما لا شك فيه أن للقيادة التربوية تأثير اً لا يستهان به في التغيير المنشود ، ذلك أن القائدالتربوي هوحجر الزاوية لأية عملية تنشئة سياسية وتنمية قيم المواطنة، بل إن دوره في تنميتها يفوق في كثير من الأحيان دور المناهج التعليمية ؛ فهو يسهم بدور كبير ومؤثر في تنمية قيم المواطنة لدى أتباعه؛ ومن ثم فإذا تعلم القائد كيف يحيا مواطناً متفاعلاً واعياً مشاركاً فإن ذلك سوف يؤدي إلى أن يشارك بفعالية في الحياة العامة، بحيث تصبح المشاركة نمط حياة أكثر منها معلومات يتعلمها ويرددها.
ونظراً لأهمية الدور المحوري للقادة ، وتأثيرهم فإنه يقع عليهم مسؤولية كبرى في تعزيز المواطنة، وهنا يحسن بنا أن نتساءل :
مادور القيادات في تعزيز قيم المواطنة ؟

إن تعزيز الولاء والانتماء وتكوين القيم والاتجاهات شرط للقيادة الناجحة ومطلب رئيس في الإدارة الحديثة ، وإن أبرز دور للقادة التربويين هو ربط قيم الانتماء للوطن بقيم الانتماء للأمة الإسلامية وإلى العالم أجمع ، حيث أنه من المسلمات أن المملكة هي قلب العالم الإسلامي وقبلته ، وأن هذه الميزة التي خصها الله تعالى بها تجعل المواطن لا إراديا يستشعر انتماءه للعالم الإسلامي بنفس الوقت الذي يفخر فيه بانتمائه لهذا الوطن.
لم يشدني شى قدر ذاك الخطاب المؤثر من أحد القادة العسكريين في أحد مواسم الحج وهو يستحث همة العاملين معه في خطاب ملهم وكان مما قاله :
"يجب أن نحسن العمل مع قاصد بيت الله حتى لو أساء لنا يجب أن نتحمل لأننا رجال أمن ونمثل الدولة "
ماذا لو استشعر كل قائد تربوي أنه يمثل الدولة ؟ وأنه ينتمي لبلاد الحرمين محط أنظار المسلمين ؟ وأن خطواته محسوبة عليه ؟ لاشك أن المعادلة ستختلف حتماً .

ومن الأدوار المناطة بالقائد التربوي :
 حسن إدارة الموارد واستثمارها الاستثمار الأمثل سواء المالية أو البشرية . وأعتقد أن أكبر مؤشر على المواطنة لدى القائد أن يحرص على إدارة المال العام أكثر من حرصه على إدارة ماله لأنه مستأمن عليه من الله أولا ثم من الدولة .
 تولية الأصلح والأكفأ فالقائد التربوي مستأمن على استقطاب واختيار الكفاءات وفق الجدارات والمعايير بما يحقق المصلحة العامة للمؤسسة التي هي فوق كل اعتبار، وأظن أن هذا من أكبر المؤشرات على النزاهة والمواطنة الصادقة(إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ ).
 المحافظة على الهوية والثوابت؛ مع مواكبة التطور والمنافسة عالمياً جنبا إلى جنب لا تعارض بينهما فللمواطن السعودي هويته الخاصة لابد أن يحافظ عليها في أي موقف ومحفل و خير من يبرزها : القائد التربوي .
 تقدير الرموز المخلصين الأوفياء ودعمهم والذب عنهم وإبراز جهودهم ، فالذين يريدون الخير والنماء لهذا البلد بصدق هم من يستحق الإعلاء وينبغي للقائد التربوي ألا ينساق لتلميع من لايستحق فأمامنا جيل لازلنا موطن ثقة أمامه ، يرمق تصرفاتنا ويتأثر بخطابنا فلنستثمر هذه الثقة ولنوظفها توظيفاً أمثل .
 تعميق مفهوم المواطنة وتصحيح بعض الممارسات " الهستيرية "التي بدأت تنخر في مجتمعنا وتوجيه مسارها بتعقل ، فالوطنية ليست رقصا على معازف ولا ألوانا تصبغ على الوجوه ثم نرى تلك الوجوه لا تحرك ساكنا إذا ما أسئ لهذا البلد ونيل من أمنه وقادته ومقدراته .
 الوقوف أمام الشائعات المغرضة وصد الرسائل المسيئة لهذا البلد
ـــ قادة وشعبا ــ واغتنام المواقف والمحافل في التوعية بخطورة هذه الرسائل و خطورة تناقلها .
 زرع قيمة الشعور بالملكية الجماعية؛إذ أن شعور العاملين والطلاب بأن هذا الوطن وطنهم يذكي في نفوسهم الغيرة عليه والتفاني في المحافظة على مكتسباته ومقدراته .

ومن ذلك أيضا :

 احترام الأنظمة التي وضعتها الدولة وعدم التحايل عليها إذ أن تطبيقها من أوجب الواجبات ؛ لأن بها تنتظم حياة الناس وتحفظ حقوقهم .
 ابتكار مبادرات تعزز الهوية الوطنية وقيادتها وتقويم أثر تطبيقها .
 تشجيع المبدعين ودعمهم ونشر إنتاجهم والاحتفاء بمشاركاتهم .
 الالتزام بأساسيات السلوك السليم وقيم المواطنة الصالحة كالإخلاص والولاء والانتماء والعمل الجماعي والتطوعي والتسامح واحترام الآخر .
 عقد الندوات والمؤتمرات التي تتيح فرص التواصل بين المسؤولين وأفراد المجتمع واستضافة الشخصيات الوطنية البارزة، وخاصة رجال الفكر والمهتمين بالشأن الاجتماعي لمناقشتهم في قضايا ومشكلات مجتمعهم وإبراز أهم القيم الإيجابية التي لها دور في تحقيق التنمية والنهوض بالفرد والمجتمع.
 تبني برامج مستدامة ذات عمق فكري تعزز المواطنة؛ ووضعها ضمن الأولويات و الأهداف إذ أن الفعاليات قصيرة المدى التي تتزامن مع الاحتفال باليوم الوطني ينتهي تأثيرها بانتهاء المناسبة .
ينبغي أن يحمل القائد التربوي هم تعزيز قيمة المواطنة والوقوف على الثغرات الحقيقية ، وطبيعة العوائق التي تحول دون تحقيقها كما عليه أن يستثمر الأحداث والمواقف بما ينعكس في النهاية على تعزيز المواطنة وأن يجسدها في سلوكه ، فالمواطنة تنمو من خلال الممارسة ، كما ينبغي عليه أن تتطابق أقواله مع أفعاله وتقوم علاقاته على الشفافية والعدالة والإيجابية وزيادة وعي جميع العاملين معه بأن تنمية قيم المواطنة مسئولية الجميع .

ختاما :
فالوطنية سلوك عملي يظهر في أقوالنا وأفعالنا وعلى القائد التربوي أن يسعى لتحسين ممارساته ويستشعر دوره ومسؤوليته في تنمية المواطنة لمواجهة تحديات الهوية الثقافية.

ولن يعذر القادة في تخليهم عن أدوارهم وهم يرون الأمة ودول الجوار تمر بمنعطفات خطيرة ، فدورهم عظيم وتأثيرهم في الأجيال جسيم ، يمتلكون سلاح الكلمة... وسحر التأثير ..وصلاحية النفوذ ، وضع فيهم المجتمع ثقته ودفع لهم فلذة كبده ومهجة روحه
إن عليهم أن يستحضروا ويعوا ذلك جيدا ( وقفوهم إنهم مسؤولون )

ودمتم و الأمة والوطن في شموخ وعز وتمكين .

بقلم : زكية بنت إبراهيم العجلان
صفر / 1443هـ

 0  0  146

جديد المقالات

المعلم هو الأب والصديق ، هو من يسمو بأرواح طلابه...


إسناد التخصص في المرحلة الابتدائية في المدارس...


إسناد التخصص في المرحلة الابتدائية في المدارس...


على طاولات المقاهي وفي شاشات الهواتف الذكية...


الإداري هو الجندي الخفي في العملية التعليمية،...


جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:23 صباحًا الجمعة 16 ربيع الأول 1443 / 22 أكتوبر 2021.