• ×

08:31 صباحًا , الإثنين 3 ربيع الثاني 1440 / 10 ديسمبر 2018

قائمة

ثلاثيةُ وطني

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. حنان بنت علي الصليهم
الوطنُ جاء في لسانِ العربِ لابن منظور أنَّ الوطنَ يعني " المنزل يقيم فيه الإنسانُ، وهو موطنهُ ومحلُّهُ ". وبشكل عام قطعةُ الأرضِ التي تسكنها مجموعة من البشر، وبشكل خاص هو المسكنُ، فالبدنُ وطنٌ؛ لكونه مسكنُ الروحِ، فالمنزلُ والمدينةُ والدولةُ والعالمُ كلها أوطانٌ؛ لكونها مساكن. وورد في شعر أحمد شوقي:
وللأوطانِ في دمِ كلِّ حرٍّ يدٌ سلفتْ، ودينٌ مستحقُّ
فالوطنُ هو ذلك الوعاءُ الذي يجمع مجموعاتٍ من البشر تحتَ عقدٍ (قانون) واحدٍ، يتبادلون فيهِ المنفعةَ، ويحترمون القوانينَ، وينتمون إلى المكان الذي احتضنهم باختلاف عقائدهِ، واختلافِ مذاهبهم. وقد ظهر ذلك جلياً في المجتمع المدنيِّ الذي بناهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ووضعَ أسسَهُ على الرَّغمِ من تنوع ذلك المجتمع، وتعدد فصائلهِ وأعراقهِ، إلا أنه جعل منهم مواطنينَ، صالحينَ، سواسيةَ، إذ أقام – صلى اللهُ عليه وسلم - ذلك الوطن على أسسٍ سياسيةٍ، واجتماعيةٍ، واقتصاديةٍ في الحربِ والسِّلمِ قبل أربعة عشَر قرنًا.
والمواطنةِ هي مصطلحٌ يعني الانتماءِ إلى وطنٍ، والانتماءُ الوطنيُّ اتجاهُ إيجابيٌّ يشعرُ به الفردُ تجاهَ وطنهِ، رافعاً رايةَ الفخرِ، والولاءِ، والاعتزازِ بهويتهِ، ملتزماً بقوانينهِ، محافظًا على مصالحهِ وثرواتهِ، مُساهمًا ومشاركًا في أعمالهِ الجماعية، جنديًّا تحت ظلِّهِ حينَ يُناديهِ.
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُظْهِرُ حبه وولاءه لبلدهِ، فعن ابن عباس- رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – لمكة: "ما أطيبكِ من بلدٍ، وما أحبَّك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" (رواه الترمذي، وصححه الألباني). فهو- صلى الله عليه وسلم- أحبَّ مكة حباً شديداً كان وراءَ أسفهِ وأساهُ حين خرجَ منها لغيرِ سببٍ، وحين هاجر إلى المدينة، واستوطن بها أحبها وألفها كما أحبَّ مكة، بل كان- صلى الله عليه وسلم- يدعو أن يرزقه الله حبها كما في صحيح البخاري: "اللهم حبِّب إلينا المدينة، كحبنا مكة، أو أشد". فحبُّ الوطنِ فطرةٌ فطرَ الله الإنسانَ عليها.
والمواطنةُ ليست شعاراتٍ ترفعُ، ولا هتافاتٍ تعلو ، وإنما هي قيمٌ ثابتةٌ، تظهر في السُّلوكِ، والممارساتِ الحياتيَّةِ، قيمٌ تغذِّيها المعرفةُ والوعي، سواء كانت تلك القيم فرديةً أم جماعيّة، قيمٌ تتشكَّلُ من المجالاتِ: (المعرفيَّةِ ، والمهاريةِ، والوجدانية).
ومن المناسب أن يرُكّز التربويون على عددٍ من القيمِ المتنوعةِ، ويسعون لغرسها في النشء، فلا يكتفى في يوم الوطن بالحديث عن الوطن وأمجاده، بل يحسن أن يتوج ذلك بغرسِ وتمثّل قيم المواطنة.
وثلاثية وطني -كما يحلو لي أن أسميها- هي ثلاثُ قيمٍ وطنيةٍ متنوعةٍ تساهم في تحقيق المواطنة الصالحة والإيجابية لدى الأفراد وهي: انتماءٌ، وإتقانٌ، ومشاركة.
- فالانتماء والولاء: هو شعورٌ داخليٌّ يجعل المواطن يعمل بحماسٍ وإخلاص؛ للارتقاء بوطنه ، والدفاع عنه. ومن مقتضيات الانتماء أن يفتخر الفرد بالوطن، والدفاع عنه، والحرص على سلامته.
- إتقان العمل: القيام بالعمل المراد إنجازه، والانتهاء منه بأفضل صورة وعلى أتمّ وجه، ويكون ذلك ببذل الجهد، والبعد عن التراخي في العمل. لفظ إتقان هو: مصدر لكلمة أتقن، أي بمعنى أنجز العمل بإحكام وبمُنتهى الدقّة.
- المشاركة المجتمعية: تعني أن يكون المواطن مشاركاً في الأعمال المجتمعية، والتي من أبرزها الأعمال التطوعية، فكل إسهام يخدم الوطن، ويترتب عليه مصالح دينية أو دنيوية كالتصدي للشبهات، وتقوية أواصر المجتمع يجسِّدُ المعنى الحقيقي للمواطنة.
فبهذه الثلاثية الوطنية يتحقق العديدُ من المكاسب للوطن، والمواطن، والمجتمع بأسره، ويمكن بذلك أن ننتقل من الكلمات والهتافات والنداءات إلى التفعيل، والتوظيف، والعمل.

د. حنان بنت علي الصليهم
15 /1 /1439هـ

 0  0  215

جديد المقالات

انطلاقاً من رؤية المملكة 2030 المتضمنة ( مجتمع...


يقضي الطالب فترة طويلة من حياته في المدرسة،...


لقد تطور مفهوم الإشراف التربوي خلال السنوات...


لم تُعد المدرسة هي مصدر المعرفة الوحيد في ظل...


يعتبر الإشراف التربوي أداة لتطوير العملية...