• ×

07:37 مساءً , الإثنين 30 ربيع الأول 1439 / 18 ديسمبر 2017

قائمة

التربية الإعلامية في مواجهة الإعلام السلبي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بدر بن عبد الله العقيلي
أحكم الإعلام في عصرنا سيطرته على العالم ، مسلياً مربياً معلماً موجهاً شاغلاً مشغلاً، والإعلام ووسائل الاتصال الحديثة أصبحت هي الموجه الأكبر، والسلطة المؤثرة، على القيم والمعتقدات والتوجهات والممارسات، في مختلف الجوانب، اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. فظهرت التربية الإعلامية وهي اتجاه عالمي جديد، حيث بدأت أواخر الستينات، فقد نشأت في البداية كـ(وسيلة تعليمية)، فأضيف لها مهمة (الدفاع) لحماية الأطفال والشباب من المخاطر التي استحدثتها وسائل الإعلام، فانصب التركيز على كشف الرسائل المزيفة والقيم غير الملائمة والتشجيع على رفضها وتجاوزها، وفي السنوات الأخيرة أصبحت التربية الإعلامية (مشروع تمكين) يهدف إلى إعداد الشباب لفهم الثقافة الإعلامية التي تحيط بهم، وحسن الانتقاء والتعامل معها، والمشاركة فيها بصورة فعالة ومؤثرة.
إن الإعلام يظهر كل يوم بوجه جديد، وفي كل فترة بأسلوب مبتكر، وفي كل مرحلة بتقنية مدهشة، متجاوزاً حدود الزمان والمكان، مما جعل التربية التقليدية تفقد سيطرتها ، فاختلس الإعلام نصيب الأسد في التنشئة الاجتماعية، والتأثير والتوجيه، وتربية الصغار والكبار معاً.
فالمقصود بالتربية الإعلامية هو بكل بساطة: مهارة التعامل مع الإعلام.
ومن أهم الأهداف التي تسعى التربية الإعلامية إليها إكساب المستهدف مهارات وقدرات في فهم الوسائل الإعلامية وتفسيرها، واكتشاف ما تحمله مضامينها من قيم. وتقديم آراء نقدية للمضامين الإعلامية سلباً أو إيجاباً. والتمكين من الاختيار الواعي لوسائل الإعلام والمضامين الإعلامية. والتواصل مع وسائل الإعلام للتعبير عن الرأي. وحتى إنتاج المضامين الإعلامية وإيصالها إلى الجمهور. وتوجيه الأسرة للاستفادة المثلى من وسائل الترفيه والتقنية الحديثة.
إنِّ وسائل الإعلام في عالمنا المعاصر تتميز بالتأثير القوي والفعال، وذلك لأسباب منها تنوعها مابين مقروء ومسموع ومرئي، وكذلك لجاذبيتها للانتباه، ولتمكينها المتلقي التفاعل معها، ووفرة وسائلها على مدار الساعة، وسهولة استخدامها في أي مكان بتكلفة زهيدة وتوفيرها الخصوصية للمتلقي، وتحررها من الرقابة، واختراقها جميع المجالات بلا استثناء، سواءً القيمية أو الاجتماعية أو السياسية أوالاقتصادية.
لهذه الأسباب وغيرها جعلت أثر الإعلام على المستوى العالمي يفوق أثر المدرسة والأسرة وجميع مؤسسات المجتمع الأخرى.
وللعلم فإن صناعة الإعلام في العالم ليست عملية عبثية لا هدف لها، بل هي صناعة مقنّنة ، ذات أهداف محددة وواضحة ، تستهدف التأثير على المتلقي بالدرجة الأولى.
وسائل الإعلام تؤثر فينا، إما تأثيرات سلبية أو إيجابية، سوآءا شعرنا بذلك أم لم نشعر ، فلا أحد محصّناً من تأثير وسائل الإعلام ، حتى الشخص الذي لا يتعرض لوسائل الإعلام فإنه يتأثر بدرجة ما ، من خلال زملائه وأقرانه والوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه . فمن أبرز وأوضح مظاهر تأثير وسائل الإعلام يكمن في تغيير المواقف أو الاتجاهات وبالتالي السلوك ، حيث يقصد بالموقف رؤية الإنسان لقضية ما ، أو لشخص ما ، أو لقيمة، أو لسلوك ، وتوجيه شعور الإنسان تجاه هذا الشيء، إما بالرفض أو القبول.
ولتكتمل لدينا الصورة لابد أن نتعرف على ألية العمل الإعلامي من خلال معرفتنا أن وسائل الإعلام لا تنجح دائماً في إبلاغ الجماهير كيف يفكرون، ولكنها تنجح في إبلاغهم عما يجب أن يفكروا فيه. فالمادة الإعلامية ليست عرضاً بسيطاً للواقع الخارجي بل هي مادة مصنّعة. فيقوم الإعلام بتشكيل هذه المادة وانتقاء مايريد منها من خلال التحكم في شكل الرسالة الإعلامية التي يريد صناعتها.
لانتشار الثقافة الهابطة والإعلام السلبي آثار كارثية، منها أنها تعمل على خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية. كما لها نتائج في تقليل قدرة الإنسان على أن يبذل جهداً عقلياً منظماً لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه. وتقوم باستنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة. وكذا استغلال الموارد المالية لجمهورها، بأساليب متعددة ومتنوعة. كما للإعلام دور بارز في تحويل الشباب العربي إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمي وأدواته، ولا الالتزام المجتمعي ومؤسساته، ولا الحراك الحضاري وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبي بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السفلى من الثقافات الأجنبية. كما أن الإعلام السلبي يعمل على تغيير وتبديل وقلب المفاهيم، وتزييفها أمام المشاهدين، فالإعلام السلبي يجعل اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرر، وبر الوالدين ذُل، والزواج رق واستعباد، والنشوز حق، والعفة كبت. ودوره ظاهر في إثارة الغرائز الجنسية، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، في سياق المحتوى الإعلامي، الذي يجعل من هذه الانحرافات شيئاً شهياً مغرياً، يحفز الإنسان لتجربته.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن البعض يحاول التقليل من خطورة الثقافة الهابطة والإعلام السلبي في الفضاء العربي مشيراً إلى شبكة الانترنت والجوانب الإباحية فيها، وهذا نوع من التضليل، بصرف الأنظار عن القضية محور النقاش، وتحويلها إلى قضية أخرى، وهو مثل من يقلّل من خطورة جريمة السرقة والسطو المسلح، ويدعو إلى عدم الاهتمام بمكافحتها، بسبب وجود جرائم القتل وسفك الدماء !! ؟؟ .
وبعد هذا كله يظهر لنا سؤال ملح وهو ما الحل؟
والحل ليس بالسهولة بمكان كما أنه ليس بعيد المنال، فهناك مسؤوليات تتحملها عدة جهات. نذكر منها مسؤولية المشاهد في الانتقاء فهو الذي يختار الوسيلة الإعلامية، وهو الذي يختار المضمون الذي يتعرض له، ويؤثر فيه، ويتفاعل معه، ويشبع احتياجاته. فكلما كان المشاهد واعياً استطاع أن يمارس انتقائية ناجحة ومثمرة، فينتقي المضمون الإعلامي الإيجابي الذي يتعرض له ويتابعه.
كما أن لمؤسسات المجتمع مسؤولية فالأسرة والمدرسة والمجتمع لهم دور مهم في بناء الوعي لدى أفراد المجتمع، وبخاصة الأطفال والشباب، لصقل مهارات التلقي، والتعامل الناجح مع وسائل الإعلام، وتكوين رؤية تربوية ناضجة، للتمييز بين السلبي والإيجابي، والمفيد والضار، ثم ترسيخ مفهوم الرقابة الذاتية، وتعزير الثقة بالذات.
كما أن هناك مسؤولية للأفراد في الحد من الثقافة الهابطة والإعلام السلبي، وذلك من خلال الامتناع عن التعرض لهذه الوسائل، والاتصال الشخصي للأفراد فيما بينهم لتدعيم هذا السلوك، والتواصل الفردي الشخصي عبر وسائل الاتصال، مع ملاك الوسائل الإعلامية والمسؤولين عنها، لتوضيح وجهة النظر في محتوى الثقافة الهابطة، ومضمون الإعلام السلبي، وأن يطالب المشاهدون بحقهم وحق المجتمع في الإنتاج الجيد والإعلام الإيجابي، وحمايتهم وحماية أطفالهم من الإسفاف والابتذال.
كما لا يفوتني التنويه على أمر في غاية الأهمية في جانب مجابهة هذا الغزو والهجوم الشرس ألا وهو غرس وتعزيز الوازع الديني في النشء والشباب وشيء آخر وليس بأخير وهو الدعاء. فأسأل الله تعالى أن يصلحنا ويصلح أبناءنا وبناتنا والمسلمين والمسلمات والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
بدر بن عبدالله العقيلي
7 /1 /1437هـ

 0  1204  2.5K

جديد المقالات

(اللهم بارك لأمتي في بكورها) للأستاذة: فوزية...


الإشراف التربوي أهم مكونات الإدارة التعليمية؛...


بقلم أ. فاتن باعبدالله معلمة لغة عربية بمجمع...




جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:37 مساءً الإثنين 30 ربيع الأول 1439 / 18 ديسمبر 2017.